ابن قيم الجوزية
97
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
استأنف جملة أخرى فقال وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته لا يأنفون عنها ولا يتعاظمون ولا يستحسرون ، فيعيون وينقطعون ، يقال ؛ حسر واستحسر ، إذا تعب وأعيا ، بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم ، فالأول : وصف لعبيد ربوبيته . والثاني : وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى : 25 : 63 - 77 وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً إلى آخر السورة . وقال 76 : 6 عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً وقال 38 : 17 وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وقال 38 : 41 وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ وقال 38 : 45 وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وقال عن سليمان 38 : 30 نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * وقال عن المسيح 43 : 59 إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ فجعل غايته العبودية لا الإلهية ، كما يقول أعداؤه النصارى ، ووصف أكرم خلقه عليه ، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته . فقال تعالى : 2 : 23 وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وقال تبارك وتعالى : 25 : 1 تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ وقال 18 : 1 الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه والتحدي بأن يأتوا بمثله ، وقال 72 : 19 وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه . وقال 17 : 1 سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا فذكره بالعبودية في مقام الإسراء . وفي الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد . فقولوا عبد اللّه ورسوله » و في الحديث « أنا عبد آكل كما يأكل العبيد ، وأجلس كما يجلس العبيد » و في صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عمرو قال « قرأت في التوراة صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : محمد رسول اللّه ، عبدي ورسولي ، سميته المتوكل . ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر » .